فلسفة اللغة ، و الفلسفة اللغوية .. حدود الاصطلاح

652 views مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 17 فبراير 2017 - 6:51 مساءً
فلسفة اللغة ، و الفلسفة اللغوية .. حدود الاصطلاح

علاقة الإنسان باللغة علاقة وجودية لا يختلف إزاءها اثنان ، فاللغة وسيلة ضرورية للتعبير عن بنات الفكر ، و اللغة أيضا ضرورة حضارية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المقدرة الحفظية للغة في شقها المكتوب . و المنحى التطوري للإنسان المفكر و اللغة يكشف علاقة تلازمية بين الاثنين ، فالاستعمال يطور اللغة توسيعا و تخصيصا من حيث دلالة الألفاظ ، و اطرادا  و شذوذا من حيث التركيب ، كما أن اللغة وقود يؤجج الفكر ، و لا أدل على ذلك من مسلمة ” نحن نفكر باللغة ” كما عبر عن ذلك هيجل ، أو أن ” تفكيرنا ضاج بالكلمات  ” كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي جورج غوسدورف Georges Gusdorf.

و تميز الإنسان بخصيصة اللغة دون سواه من المخلوقات المالكة لأجهزة ناطقة ، راجع للفكر المنتج عن الإنسان ، و الغريزة الصماء السلبية عند سواه ، فالفكر صاحب فضل حال إنتاج اللغة ، و اللغة وسيلة إشاعة للفكر ، فالعلاقة هنا أشبه ما تكون بتلازم وجهي العملة الواحدة .

إن الحديث عن علاقة اللغة بالفكر ، حديث عن الفلسفة إذ لطالما اتصف الفكر الإنساني بالتفلسف ، صفة اكتسبها من خلال البحث المستمر عن العلائق و التقاطبات بين الموجود و المحتمل ، و كذا التساؤل المستمر عن الماهيات و الأهداف .. و لما كانت اللغة ذات وجود بالقوة في الفكر ، و وجود بالفعل في التمفصل (التجسيد) ، كانت مجال بحث للفلسفة ، و قسما بالغ الأهمية ضمنها ، يستلهم ابداعات الفلاسفة ، و يستقدح إلهاماتهم .. ، و اهتمام الفلسفة باللغة ولّد ما يسمى بفلسفة اللغة ، فما المقصود بالمصطَلَح ؟ و ما الغرض مما اصطُلِح؟

قبل التعريف بالمصطلح وما يرمي إليه ، وجب التنويه بالأهمية الحضارية و المعرفية لفلسفة اللغة ، أهمية حضارية تتجسد في كون دراسة اللغة –أيا كانت- إنما هي دراسة لتراث و تاريخ فكر أمة بكاملها آخذين بعين الاعتبار الحقب التاريخية المتعاقبة في مسارها الدياكروني (التاريخي-التعاقبي) ، كما أن الحديث عن مشكلات فلسفة اللغة كالإشارة و الصدق كما سنرى يحتم علينا الاعتناء باللغة الهدف (المدروسة) ، أما الأهية الإبستيمولوجية (المعرفية) فتتمثل في كون المشكلات المطروحة على دارس الفلسفة في عصرنا ، إنما هي مشكلات تثيرها اللغة ، و تبعا لذلك استلزم على دارس الفلسفة الإلمام بآراء الفلاسفة حول معطى اللغة .

ظهر مصطلح فلسفة اللغة في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ضمن ما يسمى بالتحول اللغوي ، و هو مصطلح استحدثه الفيلسوف السويدي الأمريكي غوستاف بيرجمان Gustav Bergmann صاحب كتاب المنطق و الواقع ، و تحدث عنه الباحث الإنجليزي مايكل داميت  Michael Dummett عند مدارسته لفلسفة فريجة  Gottlob Frege حيث عدّه صاحب التحول الثاني في الفلسفة بعد ديكارت  ، و قد رأي داميت أن ديكارت قد أحدث ثورة في الفلسفة حينما عدّ الإبستيمولوجيا (علم المعرفة) محورا للدراسة الفلسفية و نحى بالفلسفة منحى عقلانيا ، أما المنعطف الثاني الذي عرفته الفلسفة الحديثة فقد كان مع فريجة ، و فلسفته التحليلية التي اعتمدت على المنطق و فلسفة اللغة كركيزتين أساسيتين لدراسة المشكلات المختلفة ، لكن رغم الإشادة التي حصل عليها فريجة من قبل داميت و أتباعه ، فإننا نجد فريقا آخر ينصب فدقنشتاين  Ludwig Wittgenstein نبيا لفلسفة اللغة ، حيث رأى أنصار هذا الرأي أن فريجة لم يأت بالكثير فيما يخص فلسفة اللغة ، باستثناء اعتبار اللغات الطبيعية ناقصة ، و وجب إحلال اللغات الكاملة منطقيا (اللغات الرمزية) ضمن الاستعمال تبعا لذلك  ؛ أما فدقنشتاين فيرى أن استعمال اللغة إنما يكون ضمن مستويين ، المستوى الأول خارجي يتلخص دوره في التعامل مع العلامات ، أما المستوى الثاني فداخلي يتجسد في تفكيك و فهم هذه العلامات ، و دور الفيلسوف هنا حسب فدقنشتاين هو التفطن لألاعيب اللغة و تمويه النحو في المستويين استعمالا و فهما .

يتبع …

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة حد الصحاري أونلاين الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.